حارس أثينا
جنوب أثينا , المطر قد توقف أخيراً , واستأنف أهالي المخيم الغربي نشاطاتهم , الأمهات نشروا الثياب , اقتلع الرجال المحاصيل ثم أعادوا حرث الأرض , كبار السن ما زالوا يسعلوا ويشتموا مذ استبدلوا طعم الليمون برائحة الوحل , أما الأطفال فقد ارتدوا ثيابهم وانطلقوا نحو الخيام الدراسية , كذلك ماجد , على وقع السكون وحفيف الأشجار إستيقظ , تسلل من الخيمة وتسلق حافياً غصن الدردار العالي بينما الظلمة تسود المخيم , بقيَ هناك في الأعلى يترقب خروج أختي الصغيرة سلمى من الخيمة رقم تسعة , في الأيام الماضية لم يسمح لأحد من الأطفال أن يغادر الخيمة , لذا فهو لم يراها منذ الزخة الأولى وهم في الطريق , عائدون من المدرسة , أخبرها حينها قبل أن يفترقوا : سوف نرحل من هنا , سوف نسكن كل المدن .
ماجد في سن الثانية عشر , بشرته لم تكن سمراء في حلب , بشعر أجعد وعينين خضراوين , التقيت به قبل أن أغرق بستة عشر ساعة في سوق على ساحل بودروم , أرسلوه والديه لشراء بعض الخضار لرحلة يوم غد , لاحظت بين أروقة السوق أنه يقوم بملاحقتي فتوقفت لأنظر في ما اذا كان يحتاج إلى مساعدتي , أجابني وعيونه متّجها نحو سلمى : في أيّ قارب سترحلون ؟ , حدقت في وجهه بغضب ولم يلتفت إلي , كدت أصفعه لكن لم أشأ أن أفعلها أمام أختي , أخذت بيد سلمى وأكملنا سيرنا , استمر بملاحقتنا حتى براميل البطاطس , انعطفنا قبل البصل وسرنا كامل الطريق تاركين خلفنا صناديق الفلفل والملفوف , وحين توقفنا أمام إحدى بائعات الطماط كان على بعد خطوات من سلمى , أدهشني وأضحكني أصراره في آن : على مركب الكابتن أركان وما شأنك بذلك ؟ , فرح بإجابتي , شكرني وانصرف كشرارة , وفي صباح الغد كنت في مؤخرة المركب المتجه إلى السواحل اليونانية برفقة أختي ووالدتي , وهو كان برفقة والديه في المقدمة .
انطلق مركب أركان في بحر إيجه حاملاً في عنقه ستة وثمانون مهاجراً سورياً , لم يكن بإستطاعة أحد أن يتحرك في داخل المركب لذا اكتفى الصبي بالتلويح والإيماء للصبية , في البدء سار المركب بهدوء وتخطينا عدة جزر دون أن تعكر الرياح والأمواج صفو الطريق , حتى اقتربنا من الجزيرة اليونانية "ناكسوس" , حينها اشتدت حركة الموج وأخذ المركب بالتأرجح أثر ذلك , ثم من الأعماق السحيقة شقَّ الأزرق العظيم طريقه إلى السماء كطوربيد , خرق السطح بهامته وعلى بعد أمتار لا يبدو أنها كثيرة صفع بذيله الضخم وجه البحر , لتصرخ الأمواج عالياً في الفضاء وتحملنا فوقها لخمس ثوانٍ قبل أن تقذف بسبعة وعشرين هارباً إلى قبرهم , لم أتمكن من مجاراة الريح وعنف البحر , فقدت السيطرة على حركتي وجُرفت بعيداً , كافحت من أجل أن ألقي نظرة على الراكبين وأتاكد من أنهم لم يسقطوا , تمكنت من ذلك أخيراً , المركب شبه مملوء لكنّي لم أرى غير الذعر على ملامحهم , لم آمل بأن يقوم أحدهم بإنقاذي , جميعهم منكّسين روؤسهم , حتى والدتي لم أتمكن من رؤية وجهها جيداً , فقد كانت تحتضن سلمى بكاملها , أخفتها في أعماقها وكأنها غير موجودة , في الأخير لاح لي انتصاب ماجد , وحده الذي كان يقف وعلى حافة المركب , والدته من خلفه تتشبث بثيابه وهي تصرخ , لقد كان ذلك المنظر أكثر من كافٍ بالنسبة لي لأبتسم وابتلع ما يشاء البحر من الملح , كان كافياً لأطمئن على كل شيء , على سلمى وأثينا وحلب , على الرجال وعلى الحُب , لقد كنت سعيداً وأنا أموت , لم أصارع وأنا ألفظ آخر أنفاسي كما كانوا من حولي الهاربين , لقد غطست بكامل إرادتي ولذلك يبدو تم إختياري .
ماجد في سن الثانية عشر , بشرته لم تكن سمراء في حلب , بشعر أجعد وعينين خضراوين , التقيت به قبل أن أغرق بستة عشر ساعة في سوق على ساحل بودروم , أرسلوه والديه لشراء بعض الخضار لرحلة يوم غد , لاحظت بين أروقة السوق أنه يقوم بملاحقتي فتوقفت لأنظر في ما اذا كان يحتاج إلى مساعدتي , أجابني وعيونه متّجها نحو سلمى : في أيّ قارب سترحلون ؟ , حدقت في وجهه بغضب ولم يلتفت إلي , كدت أصفعه لكن لم أشأ أن أفعلها أمام أختي , أخذت بيد سلمى وأكملنا سيرنا , استمر بملاحقتنا حتى براميل البطاطس , انعطفنا قبل البصل وسرنا كامل الطريق تاركين خلفنا صناديق الفلفل والملفوف , وحين توقفنا أمام إحدى بائعات الطماط كان على بعد خطوات من سلمى , أدهشني وأضحكني أصراره في آن : على مركب الكابتن أركان وما شأنك بذلك ؟ , فرح بإجابتي , شكرني وانصرف كشرارة , وفي صباح الغد كنت في مؤخرة المركب المتجه إلى السواحل اليونانية برفقة أختي ووالدتي , وهو كان برفقة والديه في المقدمة .
انطلق مركب أركان في بحر إيجه حاملاً في عنقه ستة وثمانون مهاجراً سورياً , لم يكن بإستطاعة أحد أن يتحرك في داخل المركب لذا اكتفى الصبي بالتلويح والإيماء للصبية , في البدء سار المركب بهدوء وتخطينا عدة جزر دون أن تعكر الرياح والأمواج صفو الطريق , حتى اقتربنا من الجزيرة اليونانية "ناكسوس" , حينها اشتدت حركة الموج وأخذ المركب بالتأرجح أثر ذلك , ثم من الأعماق السحيقة شقَّ الأزرق العظيم طريقه إلى السماء كطوربيد , خرق السطح بهامته وعلى بعد أمتار لا يبدو أنها كثيرة صفع بذيله الضخم وجه البحر , لتصرخ الأمواج عالياً في الفضاء وتحملنا فوقها لخمس ثوانٍ قبل أن تقذف بسبعة وعشرين هارباً إلى قبرهم , لم أتمكن من مجاراة الريح وعنف البحر , فقدت السيطرة على حركتي وجُرفت بعيداً , كافحت من أجل أن ألقي نظرة على الراكبين وأتاكد من أنهم لم يسقطوا , تمكنت من ذلك أخيراً , المركب شبه مملوء لكنّي لم أرى غير الذعر على ملامحهم , لم آمل بأن يقوم أحدهم بإنقاذي , جميعهم منكّسين روؤسهم , حتى والدتي لم أتمكن من رؤية وجهها جيداً , فقد كانت تحتضن سلمى بكاملها , أخفتها في أعماقها وكأنها غير موجودة , في الأخير لاح لي انتصاب ماجد , وحده الذي كان يقف وعلى حافة المركب , والدته من خلفه تتشبث بثيابه وهي تصرخ , لقد كان ذلك المنظر أكثر من كافٍ بالنسبة لي لأبتسم وابتلع ما يشاء البحر من الملح , كان كافياً لأطمئن على كل شيء , على سلمى وأثينا وحلب , على الرجال وعلى الحُب , لقد كنت سعيداً وأنا أموت , لم أصارع وأنا ألفظ آخر أنفاسي كما كانوا من حولي الهاربين , لقد غطست بكامل إرادتي ولذلك يبدو تم إختياري .
تعليقات
إرسال تعليق